يحيى العامري الحرضي اليماني

414

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وأسرع نظره في كوة مشرفة على الطريق ، فلا يرى منكرا إلا خرج وغيّره ، فتسامع به الناس ، واستدعاه الأمير ، وعرف محله في العلم والدين ، وقرأ عليه في أنواع من العلوم ، وسأله الأمير الدعاء ، فقال له : أصلحك اللّه لرعيتك ، ثم انتقل إلى ملالة ، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي وهو مطلوبه . وكان ابن تومرت قد اطلع على كتاب يسمى ( الجفر ) ينسب إلى جعفر الصادق ، ورأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى من ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ووصفه وحليته ، وموضع قيامه وموته ، هجاء اسمه : ( ع ب د م وم ن ) ، ويجاوز وقته المائة الخامسة من الهجرة . وكان ابن تومرت قد رأى بالمشرق أنه شرب البحر كله مرتين ، ووقع في نفسه أنه القائم بالأمر ، ثم إنه دخل مدينة مراكش وسلطانها ابن تاشفين ، وكانت سيرته حميدة ، فأنكر ابن تومرت على ابنه الملك على عادته في ذلك « 1 » ، وجرى له في ذلك قصة طويلة . وكان قد صار له حينئذ أتباع وشيعة ، فأحضره الملك ، وسأله ما مقصده ؛ فتكلم بوعظ بالغ بكى منه الملك ، فقال مالك بن وهيب الأندلسي : أيها الملك ، اقبل نصحي واعتقل هذا الرجل وأصحابه ، وأنفق عليهم كل يوم دينارا وإلا لتنفقنّ عليهم خزائنك ولا ينفعك . فقال الوزير : يقبح منك أن تبكي من موعظته ثم تمسكه وهو فقيه لا يملك شيئا . ثم انتقل من هناك إلى جبل بريثى ، وهو جبل منيع واسع ، فأكرمه أهل الجبل واعتقدوه ، ولما تمكن أظهر لهم ما يضمره من الخروج على الملك . ورأى شقرة بعض أولادهم مع أدمة آبائهم ؛ فسألهم عن ذلك فقالوا : إن للملك علينا خراجا ؛ فيأتي مماليكه ، فربما غلبونا على بعض نسائنا ؛ فقال لهم : إذا جاءوا فخلوا بينهم وبين ما أرادوا ، ثم اسقوهم الخمر وآذنوني . ففعلوا ، ثم آذنوه ، فقتلهم جميعا . ثم جاء الخبر إلى الملك ، فجهز جيشا لحربهم [ فلم ينالوا منهم ما أرادوا ] « 2 » ورجعوا

--> ( 1 ) كذا في ب ومرآة الجنان 3 / 235 ، وفي الأصل : فأنكر ابن تومرت عليه على عادته في ذلك . ( 2 ) زيادة من ب .